نظرية المثل
حاول أفلاطون فهم الواقع وما فيه من تناقضات فطوّر نظرية المُثُل، حيث قال بوجود عالمين: عالم حقيقي علوي مكون من الأفكار والمُثُل المطلقة، وعالم مادي محسوس ليس سوى ظلال مشوهة له. ولكن، لِمَ لا يكون العكس؟ لِمَ لا يكون عالمنا المادي الذي نعيشه هو الحقيقي، بينما العالم المثالي مجرد خيال ذهني نتصوره؟
عندما نستغرق في التفكير المجرد، نقوم برسم صور مثالية لأفكارنا ونعطي الأشياء صفات مطلقة خلافاً للواقع المادي المليء بالعيوب والنواقص والأخطاء. فمثلاً، الأعداد والأشكال الهندسية كالدائرة والخط المستقيم والنقطة لا وجود لها في الطبيعة، وإنما توجد معدودات وأشكال تشبه الدائرة أو الخط المستقيم أو النقطة. ولو دققنا في هذه الأشكال جيداً لوجدناها مليئة بالعيوب التي تخالف الصور المثالية المتخيلة عنها في العالم الذهني المجرد.
كذلك يؤمن المتدينون بوجود إله يتصف بالكمال المطلق والقدرة الخارقة، غير أن هذا الكائن موجود في العالم النظري المجرد فقط. أما على أرض الواقع المادي، فإننا نجد بشراً يشبهون ذلك الإله المزعوم وفقاً للاعتقاد الديني بأن الله خلق الإنسان على صورته، بيد أن هؤلاء البشر يحملون صفات قاصرة وقدرات محدودة خلافاً للنموذج الأصلي المتخيل.
على هذا المنوال، يمكن النظر إلى المواقف الفلسفية من قضية معينة باعتبارها أفكاراً مجردة تنتمي لعالم التصورات النظرية، ولكنها قد لا تكون قابلة للتطبيق في الواقع المعاش إلا بعد تأويلها بشكل يفرغها من مضمونها ويتركها خاوية. لذا قد نضطر أحياناً للفصل بين صلابة الموقف النظري ومرونة تطبيقه العملي.
معنى الحياة من وجهات نظر وجودية
انشغل كثير من الفلاسفة والمفكرين بالبحث عن معنى الحياة. فمثلاً، قال سورين كيركغور إن الحياة تبدو بلا معنى، ولهذا نحن بحاجة إلى قفزة إيمانية توفر لنا ذلك المعنى المفقود. أما جان بول سارتر فقد أدرك أن الحياة بلا معنى، ولكنه قال إننا نحن من نصنع المعنى الذي نريده لحياتنا. وكذلك وصف ألبير كامو الحياة بأنها عبثية وخالية من أي معنى، ولكنه دعا إلى التمرد على هذه العبثية من خلال الاستمرار بالحياة.
هنا نجد أن هؤلاء الفلاسفة حاولوا التوفيق بين نقيضين: المعنى واللامعنى. ويبدو أنهم اكتفوا بنفي المصدر الإلهي للمعنى (أو العجز عن إدراكه)، ولكنهم لم يصلوا إلى درجة نفي المعنى كلياً. لقد رفعوا شعارات من قبيل الحرية والعدالة والأصالة والشجاعة والسعادة، فما قيمة هذه الشعارات إذا كانت الحياة كلها بلا معنى؟ أليست هذه الشعارات بذاتها قيماً توفر لمن يؤمن بها ما يحتاجه من معانٍ لحياته؟ فكيف ينكرون المعنى بينما هم غارقون في بحر من المعاني المرتبطة بتلك القيم التي يبشرون بها؟
العبثية بين النظرية والواقع
لو أدركنا حقاً أن الحياة عبثية ستسقط كل المبررات لتفضيل خيار على آخر. فلا فرق بين أن نقفز على العقل نحو الإيمان كما فعل كيركغور، أو أن نخلق معنى من اللامعنى كما قال سارتر، أو أن نتمرد على العبثية بقبولها كما اقترح كامو، ولا فرق بين أسبقية الوجود على الماهية أو العكس، ولا فرق بين أن تكون حياتنا أصيلة أو زائفة، بل لا فرق بين أن نعيش حياتنا بأي شكل من الأشكال أو أن ننهيها فوراً. كل هذه الخيارات والاحتمالات متشابهة في عبثيتها، ولا يهم إن اخترنا أحدها أو لم نختَرْ أياً منها.
هذه النظرة الصارمة للحياة تنطلق من عالم نظري مجرد خالٍ من العواطف والتحيزات الذاتية والتفاعلات مع الظروف المحيطة، وقد تكون مناسبة للتنظير في الكتب والمقالات والمحاضرات، ولكنها بعيدة عن أرض الواقع؛ ولو تواضعنا قليلاً ونزلنا من عالم المُثل والنظريات إلى عالم الواقع المادي، سنجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع الحياة بشكل مختلف. فطبيعتنا الحيوانية الغريزية تفرض علينا أن نعيش ونتكاثر ونسعى إلى تلبية احتياجاتنا البيولوجية والنفسية، حتى لو عجزنا عن تبرير هذه الاحتياجات بشكل يرضي غرورنا ورغبتنا في تحليل كل ما نفعله أو نفكر فيه. ورغم إدراكنا زيف القيم والأهداف التي نسعى إلى تحقيقها، إلا أنَّ طبيعتنا الحيوانية تدفعنا بقوة نحو الاستمرار في ذلك المسعى العبثي.
لماذا نتفلسف؟
أحد أهم أهداف الفلسفة تعزيز قدرتنا على التفكير. لماذا نحتاج إلى تعزيز هذه القدرة؟ لتعزيز فرصنا في البقاء والاستمرار في الحياة بأفضل شكل ممكن، وحتى في ما بعد الموت لمن يؤمن بذلك. ولكن، مهما تفلسفنا تبقى قدرتنا على التفكير محدودة بحدود الغاية منها، ولن نتحول إلى كائنات منطقية بنسبة مئة بالمئة؛ فتلك الكائنات المثالية لا وجود لها إلا في العالم الأفلاطوني النظري حيث توجد الأعداد والأشكال الهندسية الكاملة والآلهة وغيرها من الأفكار المجردة.
حتى الفلاسفة والمفكرون قد يرتبكون حين تتعارض طبيعتهم الغريزية المحفزة على البقاء مع تفكيرهم المنطقي الموضوعي الذي يدفعهم باتجاه العدم، فيتلاعبون بالكلمات والمفاهيم لتبرير انحيازاتهم الذاتية. لنأخذ مثلاً موقف الكاتب الروماني الفرنسي إميل سيوران من فكرة الانتحار، التي رفضها بحجة أن المتفائلين فقط هم الذين ينتحرون لأنهم فشلوا في الحفاظ على تفاؤلهم؛ كأنه يقول إن الانتحار شرف لا يستحقه إلا المتشائمون الأصليون الذين يحملون صفة التشاؤم في جيناتهم منذ الولادة. ورغم أن سيوران يعتبر من أشهر فلاسفة التشاؤم واليأس والعدمية، إلا أنَّ فلسفته عجزت في النهاية عن تحدي غريزة البقاء لديه.
ما الذي يمنعنا من الانتحار؟
قد يبدو الانتحار خياراً منطقياً للتعامل مع عبثية الحياة، ولكن لماذا نجعل من العبثية مشكلة ثم نبحث لها عن حل؟ ولماذا يكون الانتحار أفضل من الحلول المحتملة الأخرى؟ بل لماذا نحرص على اختيار الحل الأكثر منطقية؟ ما أهمية المنطق في هذه الحالة؟ وما الحكمة في أن ننتصر للمنطق ونخسر الكيان الذي يجسد ذلك المنطق؟
من حيث المبدأ، ليس للانتحار أي أفضلية على ما سواه من الخيارات المتشابهة في عبثيتها. إن المفاضلة بين الخيارات تكون فقط في حالة التخلي عن فكرة العبثية - ولو بشكل جزئي - والنزول إلى أرض الواقع لتحقيق المنفعة أو تقليل الضرر للإنسان كفرد، أو كعضو في مجموعة بشرية، أو حتى على مستوى الكائنات الحية جميعها.
فعلى المستوى الفردي، يمكن تقبل الانتحار باعتباره حلاً لمشكلة صحية أو فشل اجتماعي أو ضائقة مالية. أما في حال غياب مثل هذه الأزمات الخطيرة، فلن يكون هناك مبرر موضوعي للإقدام عليه، ولكنه يظل في الوعي كاحتمال نظري مؤجل ترقباً لتغير الظروف.
أما على المستوى الجمعي فإن تقدير المنفعة أو الضرر قد يختلف؛ فمثلاً قد يتسبب موت الفرد بمعاناة كبيرة لأقاربه أو أصدقائه، وفي هذه الحالة قد يميل الفرد إلى الانسحاب والابتعاد عن محيطه الاجتماعي بالتدريج كنوع من التمهيد النفسي للغياب قبل الرحيل النهائي. وفي أغلب الأحوال، قد يمتد هذا الانتظار لعدة سنوات أو عقود حتى يحين الوقت المناسب للفراق، وربما يسبقه الموت فيأتيه قبل أن يطلبه.
هذا الكلام يبدو مجرد مبررات زائفة تشبه ما قاله الفلاسفة والمفكرون الرافضون لفكرة الانتحار لتبرير مواقفهم المنحازة للبقاء. ربما، فنحن نميل إلى أن نفلسف حياتنا بدل أن نعيش فلسفتنا، وقد نقع في مغالطات خفية في خضم سعينا الحثيث للتكيف مع الصراع الذي يدور داخلنا بين واقع مادي نعيشه وعالم نظري نتطلع إليه.
الإنسان-الإله ضد الإنسان-الحيوان
استخدم يوفال نوح هراري مصطلح «الإنسان-الإله» للتنبؤ بمستقبل الجنس البشري خلال هذا القرن وما بعده. ولكن المصطلح يشير أيضاً إلى رغبة عميقة لدى الإنسان بتقمص صورة الإله، وهناك العديد من الأمثلة التاريخية لبشر ادعوا الألوهية أو نُسِبَت إليهم؛ ومن ثمَّ، يكون من المناسب استخدام هذا المصطلح لوصف الصورة التي نرسمها لأنفسنا عندما نستغرق في التفكير المجرد، ونبالغ في تضخيم ما نملكه من قدرات وإمكانيات لمستوى يقترب من الألوهية.
في المقابل، هناك صورة «الإنسان-الحيوان» التي يفرضها علينا الواقع؛ حيث نجد أن قدراتنا وإمكانياتنا محدودة بحدود تكويننا البيولوجي والنفسي الذي لا يختلف كثيراً عن باقي الحيوانات.
وبسبب التناقض بين هاتين الصورتين، نواجه صراعاً داخلياً يتصادم فيه غرورنا الإلهي مع واقعنا الحيواني. هذا الصراع، بين الإنسان-الإله والإنسان-الحيوان، هو السبب الحقيقي وراء الشعور بالقلق الوجودي، وليس الوعي بالحرية والمسؤولية التي تصاحبها كما قال الفلاسفة الوجوديون. وما مفهوم «الإنسان الأعلى» الذي دعا إليه فريدريك نيتشه إلا نتيجة لهذا الصراع الداخلي؛ حيث انحاز نيتشه إلى جانبه الإلهي ذي الإمكانيات الفائقة (نظرياً) متسامياً فوق طبيعته الحيوانية المحدودة. هكذا وجد نيتشه طريقاً لتجاوز القلق الوجودي، إلا أنه وصف ذلك الطريق بشكل مختلف.